Thursday, March 15, 2012

ليتني كنت أولهم

---
يغيب الأحباب فلا نستطيع منع غيابهم، فلكل أجل كتاب، غياب الصديق ثقيل على النفس مؤلم على الروح، فكل صديق يرحل ينزع من روحنا قطعة ويأخذها معه، وحتى يحين موعد رحيلنا لا يبقى من روحنا سوى زفرة أخيرة
قال لي أحد أتباع طائفة الحب المنقى، كنت أصغر أصدقائي لعبنا وكبرنا ومرحنا سوياً وفي كل عام أفجع بواحد منهم، لم يبقَ غيري، ليتني كنت أولهم، أو ثانيهم أو قبل الأخير فما أصعب البقاء وحيداً، قلت له وأين ذهب الأبناء والأحفاد؟ رد والهم يثقل لسانه: الصديق لا يسد مكانه أحدٌ
لقد كرهت الطواف في أحياء كاملة كان لي فيها صديق غاب أو مكان ينكأ مخزون ذكرياتي، لا أدخل الشامية من ناحية حديقة المأمون حتى لا أذكر عبدالله زكريا الأنصاري، لا أمر بقرب نادي خيطان كي لا أذكر أحمد البغدادي، لا أقترب من جمعية “إحياء التراث” في قرطبة كي لا أذكر “أحمد الربعي” ، أما العديلية فأسرع الخطى من حولها فكلها تؤدي إلى ديوان سامي المنيس، القائمة تطول وأكتفي بهذا الوجع
لحسن الحظ لدينا بلد يجتهد في مسح الآثار فكل بيت يكمل الأربعين يهد ويعاد بناؤه، والورثة هم أول من يحمل المعاول، ولدى كبار السن مقولة لا يفهمها الورثة كثيراً هي: بعد موتنا افعلوا ما تشاؤون، هم أي العجائز يحسبونها بالذكريات الجميلة والأرواح التي حلت ثم رحلت والورثة يحسبونها بالدراهم والدنانير، وحدهم من يريدون السير على خطى العجائز يواجهون المصاعب والآلام
أشفق على أصحاب القلوب القاسية ليس لأنهم قساة فهذا شأنهم، ولكني أشفق على من يكتشف منهم أن الحياة قصيرة جداً بعد فوات الأوان، من يجد نفسه يعيش وحيداً في حيز ضيق جدا مع ذكريات قاسية كان فيها هو البطل الذي أتقن فنون الهجر والصد، وكلما حاول رتق خروقاته وسد فجواته نهض في طريقه ما صنعه في عقود طويلة، فيرجع مهزوماً يجر أذيال الخيبة إلى مكان ضيق، فيا لها من أيام صفراء يعيشها ذلك التعيس
الحياة قصيرة مهما طالت، تلك هي الحقيقة المؤلمة، وإن طالت فلا يجملها أكثر من وجود الأصدقاء، ألا تلاحظون معي أن الطاعنين في أعمارهم تدب فيهم الحياة “غير شكل” متى ما اجتمعوا مع أصدقائهم، تمعنوا فيهم جيداً فهم ليسوا أجساداً يكسوها الموت ولكنهم سِير وقصائد قطّع أوصالها الزمن، متى اكتملت أشرقت وأمطرت

أختمها بكلمتين: الحياة قصيرة جداً، أملؤها بالأصدقاء والذكريات الجميلة معهم

No comments: